بقلم / عبدالحكيم المطروشي (النشمي)
إعداد وتنسيق وإخراج/ عبدالعزيز المطروشي (أصيـ مطروشي ــل)

المقدمة:
  تناقل المؤرخون والمؤلفين والكتاب سيرة وأحداث قبائل دول الخليج العربي لما كان لها واقع صدى على مر ثلاثة قرون أو أكثر بدأ من الغزو البرتغالي منتهيا بإجلاء الاستيطان البريطاني عن دول الخليج العربي. ومن جملة المؤرخين الذين تناولوا عن مجمل الأحداث ج.ج. لوريمر والذي قام بوضع القسم الأول منه عام 1908م وجزء من القسم الثاني عام 1914م قبل أن توافيه المنية وكانت معظم مؤلفاته نقلا عن مؤرخين سبقوه بهذا الشأن أمثال المؤلف ب.ج. سلوت والرحالة الالماني كارستسن نيبور وغيرهم من المؤلفين الذين عاصروا تلك الحقبة، وبالرغم من ما تناوله المؤرخين والمؤلفين من كتابات إلا أنه أنها لم تكن بتلك الدقة والواقعية فهي تتضمن ملاحظات وآراء وتعابير تحمل رأي المؤلف وحده ومن تلك الأمثلة فقد ذكر ج.ج. لوريمر في مؤلفاته بأن مذكور المطروشي قد عين كشاه بندر على بوشهر من قبل نادر شاه عام 1130هـ 1718م وحسب المصادر الموجودة لدينا والمتداولة فإن نادر شاه بدأ حكمه مع قيام الدولة الأفشارية في عام 1149هـ ــ 1736م وهو تاريخ بعيد كل البعد عن ما ذكره المؤلف ج.ج. لوريمر في كتاباته ، كما أن المؤلف لا يستطيع الكشف عن ما بوجدان العامة نقلا من أشخاص آخرين ولا يمكن إغفال بأن من يكتب التاريخ في الغالب يكون المنتصر. ومن هنا ظهرت كتابات لمؤلفين يعملون على نقل جميع الأحداث بجميع أخطأها ومشوهاتها من دون دراسة مستوفية ولكن هذا لم يمنع من ظهور أعلام من الكتاب المجتهدين والذي بدأ نور وصدى كتاباته ينبثق من الظلام والضلال إلى النور من أمثال الأستاذ جلال هارون الأنصاري والذي تناول في بعض كتبه عن سيرة بعض القبائل العربية ومنهم آل مذكور الكرام والذي تم اقتباس معظم كتابته في هذه المدونة مع إضافة بعض التعديلات من مصادر أحفاد أسرة آل مذكور الكرام والذي نحن بصدده.

نبذة سريعة عن أسرة آل مذكور وعن بعض المغالطات:
 أسرة آل مذكور بالنسبة لتاريخ جزيرة البحرين السياسي خطاً فاصلاً بن تاريخها القديم و تاريخها المعاصر، وبالرغم من أهمية هذه المرحلة المفصلية في تاريخ دولة البحرين ومنطقة الخليج ... إلا أن ما يتداول بشكل واسع في هذا الخصوص يكاد ينحصر في حادثة انتصار عرب العتوب على الشيخ ناصر المذكور أو ما يعرف محليا (بكسرة نصور)، حيث أن عرب العتوب صغروا اسم ناصر بن مذكور بن ظافر المطروشي بعد الهزيمة الفادحة فأصبح يعرف بـ نصور امتهانا و إذلال له كما عمدوا على تحريف أسم ظافر الى طاهر أما كنيتا اعتقادا منهم لولائه للفارسين أو استخدامهم طريقة لفظ الأعاجم للأسم ....!!! وهو الأمر الذي تناقله المؤرخين والكتاب نقلا عن مصادر مغلوطة... فالنبهاني يخبرنا في تاريخه كيف أن نصور هذا جمع جيشا عظيما من الفرس وهم بمحاصرة العتوب في بلدهم الزبارة، ولم يكتفي بذلك بل هدد عرب الزبارة بأن يسبي نساءهم وأطفالهم إذا ما كتب له النصر، ونتيجة لذلك ثار عرب الزبارة عليه دفاعا عن شرفهم وأعراضهم و انتصروا عليه نصرا عظيما مؤزرا كما أن القبيلة قد أتهمة بالتشيع هذا ما نحن بصدد كتابته للتصحيح ودحر الشكوك...! يا ترى من هو نصور هذا...؟ وكيف وصل إلى جزيرة البحرين...؟ وهل هو من أبناء العرب أم العجم ...؟ أخي القارئ في هذه الوريقات ستجد إجابات عديدة توضح كل جزء من سيرة هذه الشخصية الغامضة.

 جذور ونسب قبيلة المطاريش:
المطاريش تنحدر من احد فروع قبيلة طيء العربية إحدى القبائل القحطانية اليمنية وينتهي نسب قبيلة طـئ إلى سـبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان و التي هاجرت من شمال الجزيرة العربية الى ساحل عمان و اتخذت من واحة البريمي موطنا لها، ونسب هذه القبيلة ينحدرون من سلالة حاتم الطائي والذي ينحدر من الغوث بن فطرة أولاد طيء وامهم عدية بنت الأمهري من مهري، ويقال لأبنائها بنو طيء، واليه ينسب الصحابي زيد الخيل النبهاني الطائي، ومن ذلك نستطيع استناج علاقة اكثر عمقا تربط قبيلة آل مذكور بسلاطين دولة بني نبهان حيث ان المطاريش و بني نبهان من قبيلة طيء

 استيطان أسرة آل مذكور غربي الخليج العربي:
وينقل عن الرحالة الالماني كارستن نيبور الذي عاش ما بين 1733 - 1815 قوله (يخطئ بعض الجغرافيين إذا اعتبروا ان جزءا من السواحل العربية كان خاضعا لملوك العجم‚ بل العكس هو الصحيح‚ فقد ملك العرب المناطق الساحلية بالخليج العربي من نهر الفرات إلى الاندوس بأكمله ويقول ان امارات عرب الهولة في هذه المنطقة الكبيرة هي مستوطنات عربية يستخدم فيها الناس اللغة العربية‚ والتقاليد العربية مثل سكان الجزيرة العربية تماما‚ والعرب استوطنوا هذه المناطق الساحلية منذ قرون عديدة‚ وهناك مؤشرات تدل على وجود هذه المستوطنات العربية منذ أيام الملوك الايرانيين‚ كما يوجد تشابه كبير بين حياة السكان القدماء للمنطقة في ذلك الساحل وحياة العرب المعاصرين كما اسس العرب موانئ وإمارات في الموانئ الشرقية (البنادر) للخليج ومنهم آل مذكور في بوشهر وما حولها وهي أسرة عربية عريقة كانت تحكم بندر بوشهر على الساحل الغربي للخليج العربي خلال الفترة الواقعة بين الأعوام (1120هـ - 1227هـ)، كما وان هذه الأسرة تمكنت خلال هذه الفترة من بسط نفوذها على جزيرة البحرين و عدد كبير من الموانئ و الجزر المطلة على حوض الخليج العربي. كما كانو بنو كعب في الدورق (هرمشهر حاليا) والبحرين تحكم من قبل حكم الهولة والتي أستطاع آل مذكور أنتزاعها منهم وحكمها إلى ان استوطنها الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة سنة 1197هـ 1783م ورغم نزوح عرب الهولة إلى بلاد فارس الا انهم حافظوا على كل عاداتهم وتقاليدهم‚ ولم يتشيعوا حيث حافظوا على مذهبهم السني ومن ثم رجعوا مرة أخرى إلى موطن اجدادهم الاصلي أي إلى الشاطئ الشرقي للخليج العربي الذي يمتد من الكويت شمالا إلى سلطنة عمان جنوبا.
  المصدر: تاريخ الأمم. الموقع المنقول منه:
 http://www.startimes2.com/f.aspx?t=15923057

أسرة آل مذكور وعلاقتها بدولة اليعاربة:
فهذه الأسرة تنحدر من أصول عمانية فهم ينتسبون إلى جدهم الأعلى الشيخ مذكور بن ظافر المطروشي ، الذي هاجر أجداده من الجزيرة الحمراء التابعة لإمارة رأس الخيمة بعد سقوط وأجلاء القوات البرتغالية من موانئ الخليج وقيام دولة اليعاربة والمتكون من حزبين الغافري والهناوي و التي بدورها سيطرت على كامل شريط الساحل الإيراني بما فيها جزيرة البحرين وذلك عندما قام الأمام سلطان بن سيف الثاني بمحاولته الأولى ضم جزيرة البحرين عام 1127هـ 1715م ولكنه لم يحرز أي تقدم فكانت المحاولة الثانية عام 1129هـ 1717م والتي أستطاع عندها ضم البحرين لدولة اليعاربة ، ففي هذه الفترة تحديدا هاجرت العديد من القبائل العربية العمانية من منطقة ساحل عمان إلى مناطق عديدة تقع على الساحل الإيراني، من أشهر هذه القبائل بني صعب وبني زعاب و المطاريش والبومهير، واتخذت هذه القبائل من المناطق القريبة من بندر بوشهر موطنا لها، ومن هؤلاء المطاريش اسرة آل مذكور ، كما كانت ولاية البحرين للشيخ محمد بن ناصر الغافري. وبهذا أستطاع اليعاربة أحكام قبضتهم على مداخل الخليج العربي من جهة وعلى الجانب الشرقي متمثل في بوشهر والجانب الغربي من الخليج من جهة آخرى ممثلة بالبحرين وبهذه أستطاع الإمام سلطان بن سيف الثاني السيطرة على هذا المثلث الحيوي الخليجي مما ساهم في تقوية التجارة العمانية وخلال الفترة الواقعة قرابة عام 1129هـ 1717م وبهذا أستطاع الإمام سيف بن سلطان الموازنة بين الحزبيين الغافري والهناوي وذلك بتعينه الشيخ مذكور بن ظافر آل مذكور المطروشي والذي كان يمثل حزب الهناوي والي على بندر بوشهر لأدارة شئونه ومن جهة آخري قام بتعيين محمد بن ناصر الغافري والذي كان بدوره يمثل حزب الغوافر واليا على البحرين وبهذه العملية ضمن الموازنة والعدل وولاء الحزبيين حيث تمكنت هذه الأسرتين خلال هذه الفترة من بسط نفوذهما التجاري على عدد كبير من الموانئ و الجزر المطلة على حوض الخليج العربي

 محاولة الفارسين استرجاع البحرين من أيدي اليعاربة:
شعر الشاه حسين بحرج مركزه من جراء التهديد العماني ووقوف البريطانيين والهولندين موقف المتفرج فعمل مرة ثانية للبرتغاليين الذين أعطاهم شاه ايران امتيازات تجارية واسعة فأرسل البرتغاليون من قاعدتهم في غوا في الهند عام 1130هـ 1718م أسطولا الى ميناء كنج والذي تنازل عنه شاه إيران للاستعمار البرتغالي والذي حاول مرة آخرى احتلال البحرين واستعادة جزيرة هرمز التي أحكم السيطرة عليها العمانيون ولكن الأسطول البرتغالي فشل في ذلك ثم أرسل البرتغاليون أسطولا عام 1131هـ 1719 لمساعدة الشاه للقضاء على الأسطول العماني وأحتلال مسقط ولكنهم فشلوا في ذلك أيضا.

 الصراع اليعربي الداخلي وما آلت إليه من تصدعات خطيرة:
إلا أن هذا لم يدم طويلا حيث تعرضت أسرة اليعاربة إلى صراع أسري خطير حول منصب الإمامة والسلطة، وزاد الوضع سوءا بقيام فتنة كبرى في عمان أدت إلى انقسام الشعب العماني الذي اختلف على الإمامة بعد وفاة الإمام سلطان بن سيف عام 1718م نظرا لصغر سن ابنه سيف الذي كان صبيا في العاشرة من عمره لا يستطيع إدارة أمور الشعب، ولم يكن له أخوة أكبر منه سنا. ففي الوقت الذي تمسكت فيه عامة الشعب بسيف، لم يرض خاصتهم بذلك، فاختلف القضاة والولاة والعلماء وشيوخ القبائل. وقد اعتبر علماء المذهب الإباضي هذا الانتخاب لسيف بن سلطان بدعة تتعارض مع شروط الإمامة التي تفرض أن يكون بالغا عاقلا سليم الجسم والحواس. إذ أنه لا يجوز في الشريعة الإسلامية إمامة الصبي في الصلاة، فكيف تجوز إمامته في الدولة وظهر في الوقت نفسه منافس للصبي، وهو زوج عمته مهنا بن سلطان بن ماجد بن مبارك الذي يؤيده علماء الإباضية. أما الأسرة اليعربية، فقد أرادت إبقاء السلطة بيدها وليس في يد علماء الإباضية؛ ولهذا رفضت إمامة مهنا بن سلطان ودعت إلى إمامة الصبي الصغير، واشتدت الخصومة وتحزب كل طرف إلى جهة وإلى زعيم، وانصرف الطرفان إلى السلاح وأطلت الفتنة وبوادر الحرب الأهلية. وكان الشيخ عدي بن سليمان الذهلي قاضي القضاة، يراقب الموقف بحذر شديد، فلاحظ أن عامة الشعب العماني تؤيد إمامة الصبي الصغير. وهذا ما لم يكن يؤكده القاضي عدي نفسه؛ فأراد استعمال الحكمة والدهاء في معالجة الموقف وسرعان ما ظهر أمام الملإ ممسكا بيد الطفل وبايعه أمام الشعب بطريقة لغوية دبلوماسية تظهر حنكته وسياسته. تدارك قاضي القضاة وأهل الرأي الفتنة ببيعة الإمام مهنا بن سلطان، الذي لا يعتبر من الفخذ الحاكم في الأسرة اليعربية بل نسيبا لها فهو زوج أخت الإمام الراحل وزوج عمة الصبي. فكان قدومه بداية تكتل معارض تزعمته الأسرة اليعربية التي أرادت إبقاء الإمامة بين الصبي الصغير دون إعطائها إلى آخر، مما أدى إلى قيام صراع على الإمامة ما بين اليعاربة من جهة وشيوخ القبائل من جهة أخرى. ولم يؤد ذلك إلى إضعاف الإمامة فحسب، بل أدى إلى مزيد من الفتن والحروب الأهلية. وإن كان الإمام مهنا بن سلطان حسن السيرة والسلوك مجتهدا في التقرب من كافة فئات الشعب العماني بما قدمه من إصلاحات سياسية واقتصادية وكان إداريا ناجحا من الطراز الأول وعقلية تجارية نشطة؛ وقام بإصلاح ميناء مسقط، وشجع التجارة والاستيراد والتصدير، وقام بتخفيض الضرائب على البضائع. وفي عام 1720م بدأ الامام مهنا باجراء مفاوضات سلام مع بلاد فارس وقد سارت المفاوضات في البداية سيرا حسنا إذ كان القائد الفارسي الذي قاد الحرب ضد عمان لطيف علي خان قد أدرك تماما أنه لم يبق أمامه أي حل سوى إقامة سلام. وفي عام 1720م تم التوصل إلى معاهدة مؤقته. وكان على العمانيين وفق هذه المعاهدة التنازل عن جميع غزواتهم وأن يأخذوا في المقابل مكانا في جزيرة الجسم لإصلاح سفنهم وضريبة مقدارها أربعة آلاف تومان أو مئة وسبعة وعشرين ألف وخمسمائة جيلدر تعويضا عن البحرين. ونصت هذه الاتفاقية أن الفرس سوف يمنعون البرتغاليين من ممارسة التجارة في بندر كنج شرط أن يدفع العمانيون عن الفرس ضد أي هجوم برتغالي. وهكذا أعيدت جزيرة الجسم ولارك مباشرة إلى الفرس.

 الإمام يعرب بلعرب (1720-1722):
إلا أن الأمام مهنا بن سلطان لم يحظ بشعبية لدى عدد من القادة العمانيين. وبعد حرب أهلية قصيرة عزل ووضع شخص آخر من سلالة اليعاربة يدعى يعرب بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك. أوغروا القادة العمانيين صدر بلعرب على الإمام مهنا الذي كان مناوئا له لكي ينتزع منه الإمامة. ومن حصن يبرين أخذ يعرب بن بلعرب يباشر نشاطه السياسي ضد الإمام مهنا بن سلطان، وصادفت نشاطاته وقعا حسنا في نفوس اليعاربة، كما أعلنت مدينة الرستاق ولاءها للثائر يعرب الذي قرر أن يتحرك عسكريا، فجند جيشا من أنصاره وتوجه به إلى مدينة مسقط ليتخذها قاعدة لتحركاته، وهناك استقبله وفد من سكان المدينة وفوجئ الوالي مسعود بن محمد الصارمي بيعرب وجيشه يدخل القصر فاستسلم لهم. وفي صباح اليوم التالي أعلن يعرب الثورة رسميا متخذا من مسقط قاعدة له ومعلنا انفصاله عن مهنا بن سلطان. أما مهنا، فكان في تلك الفترة في منطقة البريمي فتركها مسرعا واتجه نحو مدينة الرستاق ودخلها.
جمع يعرب بلعرب جيشا كبيرا توجه به نحو المدينة نفسها. وهناك التحم الطرفان في معركة انتهت بهزيمة الإمام مهنا بن سلطان الذي خذله أعوانه من القبائل والقوات الموالية له ورفضوا تقديم المساعدات له، فأصيب بيأس من الحرب واستسلم لخصومه فدخل الثائر يعرب بلعرب إلى المدينة فاتحا وألقى القبض على الإمام مهنا بن سلطان وجميع أهله ومساعديه. وبعدما أمنهم على حياتهم، نقض وعدوه وأمر باعتقالهم ثم أمر ثم أمر بإعدامهم جميعا. وأقام يعرب فترة قصيرة بعد توليه الحكم في الرستاق ثم توجه إلى نزوى فدخلها عام 1721م.
لم يقتنع يعرب بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك تماما بمعاهدة السلم البرمة مع بلاد فارس فرفض تسليم البحرين. واجه يعرب بن بلعرب معارضة شديدة من العلماء والفقهاء الإباضية الذين اعتبروا خروجه على مهنا اغتصابا للحكم. وقد اتسمت بداية وصايته بالكثير من الجفاء بينه وبين قاضي القضاة عدي الذهلي الذي طالبه بتعويض المتضررين من الحرب التي خاضها ضد مهنا من سكان الرستاق وغيرهم. وأخيرا وفي عام 1721م أتفق الفرس والعمانيون على تسليم السلطة إلى الفرس مقابل مبلغ ستة آلاف تومان أي ما يوازي ربع مليون جيلدر وهو مبلغ أكبر بكثير من المبلغ المتفق عليه سابقا. ووعد بإعطاء التعويضات لمتضرري الحرب الأهلية. فاعتبر الفقهاء ذلك توبة منه وندما على ما بدر منه من تصرفات وتصالحوا معه. وبذلك حصل على الشرعية بالوصاية على الصبي سيف بن سلطان، بعدما كان يحكم من البداية باسم الصبي سيف الصغير ونيابة عنه. وفي نهاية 1722م تم دفع المبلغ وسلمت سلطة جزيرة البحرين للفرس.
فتح ذلك الصلح بين يعرب وقاضي عدي مجال الحديث في إسقاط الإمامة عن الصبي الصغير ومبايعة الوصي. وقد أقر القضاة هذا الأمر فيما بعد، بل إنهم أقروا إسقاط دفع التعويضات لمتضرري الحرب الأهلية. وهكذا تم إعلان البيعة في مدينة نزوى. وبذلك استحوذ يعرب بلعرب على جميع السلطات في يديه. وقد عارض ذلك أفراد اليعاربة في الرستاق، بل إن سكانها أعلنوا عدم رضاهم. وعندما قام الإمام يعرب بن بلعرب، واجهه سكان الرستاق بالاحتجاج، كما تمكن أعوان الصبي من خطفه ونقله إلى إحدى ضواحي مدينة نزوى حيث يقيم خال الصبي بلعرب بن ناصر. وكانت وفود من أهالي نزوى قد توجهت إلى سكن بلعرب بن ناصر ومعه ابن أخته الصبي لتقدم له فروض الطاعة وطلبوا إليه قيادة الثورة على الإمام الجديد يعرب بن بلعرب وإعادة ابن أخته إلى الحكم كما وصلت إليه كتب ورسائل من أنحاء مختلفة من عمان تعلق الولاء وتحرض على الثورة. واختمرت في رأسه هذه الفكرة وأراد أن ينفذها وكان لا بد من إيجاد حزب سياسي قوي يعتمد عليه سياسيا وعسكريا. وكان هناك زعيمان سياسيان بارزان في المنطقة، هما خلف بن مبارك القصير الهناوي ومحمد بن ناصر الغافري ولكل منهما أتباعه وقبائله. ومن هنا كانت بداية تحزب عمان إلى الهناوي والغافري.


الحرب الأهلية والتحزب الهناوي والغافري:
يبدو أن قبيلة بني هناء كانت تشكل كتلة سياسية هامة تحت زعامة خلف بن مبارك القصير الهناوي وكذلك الغافري بزعامة محمد بن ناصر الغافري. فقد كانت قبيلة بني هناء وأحلافها على خصام مع مؤسس الدولة اليعربية الإمام ناصر بن مرشد الذي كان قد حجر على بعض أملاكهم وحجزها، مما أدى إلى نشوب خلاف سياسي بين الأسرة اليعربية وبني هناء. فقرر بلعرب أن يستغل ذلك الخلاف لصالحه وأن يكسب بني هناء إلى جانبه، فترك مدينة نزوى ومعه ابن أخته الصبي سيف وقصد منطقة السيت التي يقيم بها الزعيم خلف بمن مبارك القصير الهناوي. واتفق الطرفان على التحالف شريطة أن تعاد أملاك بني هناء التي حجزتها الدولة اليعربية إليهم في حالة نجاح بلعرب بن ناصر في الاستيلاء على السلطة في عمان. وهنا قرر بلعرب بن ناصر الخروج على الإمام يعرب بن بلعرب وخلعه من الإمامة واستعادته لابن أخته الصبي والتوجه إلى الرستاق لإعلان إسقاط الإمام يعرب بن بلعرب. فاجتمعت قبائل الهناويين وحلفاؤها. وسار إلى تلك القوات وتمكن من دخول الرستاق وخلع الوالي. وقد فشل الإمام يعرب بن بلعرب في استعادة الرستاق فعاد إلى نزوى.
باشر بلعرب بن ناصر الكتابة إلى ولاة مسقط والنخل وسمائل يطلب إليهم البيعة فبايعوه، في حين تراجع الإمام يعرب بن بلعرب بجيشه نحو مدينة أذكى وقابله سكانها بالترحاب فاتخذ فيها معسكرا وقاعدة له. فما كان من زعيم خلف الهناوي إلا أن أقر قائده العنبوري بفتح أذكى فلم ينجح الإمام يعرب في الدفاع عنها، فعاد إلى نزوى؛ في حين رجع قاضي القضاة عدي الذهلي إلى الرستاق ومعه مجموعة من القضاة. وهناك ألقي القبض عليه وجلب مخفورا إلى بلعرب ناصر الذي أمر بإعدامه ومعه قاض آخر. وبذلك تم اغتيال قاضي القضاة الذي كان قد أضفى صبغة الشرعية على استلام يعرب بن بلعرب الحكم. أما القائد الهناوي العنبوري، فتوجه بجيشه نحو نزوى وأجبر قوات الإمام على الاستسلام ، فما كان من الإمام إلا أن هرب واعتصم في قلعة مدينة جبرين التي بناها والده، ثم طلب كبار القوم من نزوى أن يتنازل عن الإمامة حقنا لدماء المسلمين وقطعا للفتنة والحرب الأهلية فوافق على ذلك. ومن هنا أعلن إمامة الصبي سيف تحت وصاية خاله بلعرب بن ناصر وكانت هذه المرة الثالثة التي أعيد فيها إلى الإمامة.

بلعرب بن ناصر والانقسام إلى الهناوي والغافري (1722-1742):
يرى بعض المؤرخين أن التحزب الهناوي والغافري صورة من صور التعصب التقليدي بين عرب الحجازيين العدنانيين وبين اليمنيين القحطانيين. فالغافريون يمثلون عرب الحجاز والهناويون يمثلون عرب اليمن ، وكان الصراع قديما بينهم على حد قولهم. وكان عرب القحطانيين يرون أحقيتهم بالسلطة على اعتبار أنهم الأغلبية، وكانوا أول القادمين إلى عمان من اليمن مباشرة وأقدمهم ، في حين أن الحجازيين جاءوا حديثا نسبيا إلى عمان، كما أن اليمنيين هم الذين قاموا بتحرير عمان من الاحتلال الفارسي المجوسي ثم شاركوا في الفتوحات الإسلامية التي عبرت إلى فارس نفسها، ولكننا نلاحظ أن غالبية القبائل العمانية التي تنتمي إلى الحزب الغافري أو الهناوي هي في الأصل قبائل يمانية ترجع إلى الأزد وقضاعة بالتحالف مع عناصر من كنده الحضرمية.
بدأت عمان تواجه فترة من أصعب فترات تاريخها شهدت خلالها من الانقسام ما يمكن أن نعتبره حقيقة بداية النهاية لدولة اليعاربة. وبدأ الانقسام خلال الاحتفالات بتولية الإمام الجديد؛ إذ وصلت إلى الرستاق كثير من الوفود لتقديم التهاني للإمام سيف بن سلطان ووصيه بلعرب بن ناصر الذي كان يمثل القوة الفعلية للدولة. وكان بين القادمين وفود من قبائل بني غافر وأهالي بهلى على رأسها محمد بن ناصر الغافري ، الذي عاد إلى عمان بعد أن ترك ولاية البحرين التي كانت تخضع لليعاربة والتي فيما يبدو تم تجريده من حكمها من والتي كانت قد أسندت إليه من قبل الأمام سلطان بن سيف. وليس من الواضح تماما ماذا حدث في ذلك اللقاء الشهير بين الوصي بلعرب بن ناصر وبين محمد بن ناصر الغافري وتهديد الأول له وتوعده. وقد يكون سبب تحذير الغافري للوصي من تقديم الهناويين في مسؤوليات الحكم أو الاعتماد عليهم، أو لربما طلب الغافري من الوصي ضرورة زيادة الاعتماد عليه في أمور الحكم ، أو كانت الغيرة الشخصية من الغافري تجاه بلعرب الذي قرب الهناويين، أو لأن الوصي لم يحسن استقبال الغافري ، مما أدى في النهاية إلى جفوة شديدة بين الرجلين. وسواء أكان الأمر هذا أو ذاك، فإن الاحتفالات بتولية الإمام الجديد يدلا من أن تكون مناسبة لتأكيد ولاء مختلف القبائل له، تصبح بداية لحرب أهلية عمانية واجهتها البلاد.
استطاع محمد بن ناصر إقناع يعرب بالخروج على الوصي بلعرب بن ناصر ورفع راية المعارضة ، وإعادة الإمامة له، ووعده بتأييد قبائل أبو ظبي والظاهرة والبريمي وغيرها. فقام يعرب وهاجم أزكي؛ إلا أنه هزم على يد قوات بلعرب بن ناصر ورجع إلى نزوى ، وعندئذ تقدمت القوة التي جمعها محمد بن ناصر نحو نزوى فدارت الدائرة على بلعرب بن ناصر.

الصفحة التالية - - 2 -